لحظات قبل وداع الوطن - مؤمن العطار




في مثل هذا اليوم قررت ان اترك سوريا وتم حجز الطائرة والترقب ينتظر شريط الزكريات فيسير بسرعة اعصار مدوي
حامل معه كل نسمة عليلة من بلدي
في مثل هذا اليوم ذهبت الى دمشق القديمة كي التقط احجارها وازقتها في ذاكرتي
في مثل هذا اليوم كنت اخاطب ياسمين دمشق وانا اشتم ذلك العبق واخزنه في صدري 
في مثل هذا اليوم كنت قد فكرت ان البعد ليس الا ثلاثة شهور
والان وقد امتد ثلاث سنوات 
في مثل هذا اليوم اغلقت حقيبتي بهدوء وانا اتامل كل سن يعانق اخيه وعندما انتهيت تعشقت دمشق في قلبي
لم يكن سهلا ان اتركها 
بقي ثلاثة ايام للسفر
يومها كان صوت دمشق مختنق يعتصر بصوت الرصاص
بين غمامة سوداء متصاعدة تسكت شعاع شمس الامل
وبين شمس تخبر الغمامة كم انت صغيرة يا غمامة لو كانوا يعلمون ...

بقي يوم للسفر
اصوات الرصاص لا تهدء 
تراجع فكرتك للسفر الف مرة في الثانية
كل حياتك متوقفة على طائشة او مقصودة
لا ادري
لا يمكن ان تختصر حياة انسان ببضع غرامات من الحديد 
انه امر بشع فعلا من اي زاوية اردت التفكير فيه
ما جدوى البقاء وما جدوى المجهول 
طريقكك مسدود مسدود
لا فكرة لدي حينها الى اي نتيجة سنصل
يجب ان تهون عليك حياتك وذكرياتك وكل ما حولك حتى تستطيع ان تتحرك
اشاهد من نافذتي غرفتي اعمدة الدخان التي صنعتها راجمة تشق بدخانها بين السماء والارض لون اسود
بكل التخلي والتجلي اعتمدت عليك ربي بترحالي في كل حال
ببرودة الاعصاب وصلابة القلب ساترك خلفي دمشق 
لن اتراجع على وعد خفي اجدده كل حين دمشق انت باقية ...


منذ ساعات الصباح تحركنا
كاد الترقب يخطف الانفاس 
كانت احاديث سائق التكسي الى لبنان وهو يشير الى اماكن على الطريق انه هنا مات واحد وهنا قتل اثنان وهنا نكل بثالث وغيرها . بكل قسوة قلب مررنا على جنبات هذا الشارع المؤدي الى الحدود
حدود تقف عندها الافكار 
اجل كل ما بني سيصبح خلف هذه الحدود مجرد افكار او ربما ذكريات
وكل ذلك متوقف ان تصل سالما الى تلك الحدود ايضا
عندما وصلت الحدود ومع كم الاحاديث المسرودة بالطريق كانت امال العودة القريبة تسقط في ذلك البئر العميق الموحش
وصلنا الحدود اخيرا 
وصلنا لبنان تنفسنا الصعداء
ولدنا من جديد
قد بدء منحنى جديد في حياتي
انه جديد تماما كما كان صباح ذاك اليوم
ضبابي جدا لا تكاد ترى يدك
لكنها بداية
خرجت من سوريا لانني لا اجيد سوى البناء
وساعود يوما للبناء
لكن هناك بناء يجب اعادة بناءه
بناء بداخلي
كان بحاجة لهذه البداية 
ودخلنا مصر آمنين ...

كتب بواسطة : مؤمن العطار 
نشر بواسطة : جهاد سليمان

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة